تنبيه: عزيزي القارئ؛ إن كنت تتوقع الحصول على جميع الإجابات التي دارت في ذهنك عند قراءة عنوان هذا المقال فأنصحك بالتوقف عن القراءة الآن. فكل ما سأفعله هنا هو طرح المزيد من الأسئلة التي سوف تزيدك حيرةً ودهشة.
ربما لم يختلف الفلاسفة ورجال الدين حول فهم شيءٍ أو تعريفه أكثر ممّا اختلفوا حول القدر. فمنهم (كاللادينيِّين) من أخذ بالطريق الأقل وعورة وأنكره جملةً وتفصيلاً. أما المتديّنون فقد غاصوا في محاولة فهمه وشرحه على الطريقة التي ارتاحوا لها. ورغم كل هذه المحاولات، لم يستطع أيّ منهم من الوصول إلى إجابة شافية تُرضي جميع المتسائلين بمختلف التوجهات الفكرية والاعتقادية. وهنا سأطرح بعضاً من هذه الأسئلة التي لاتزال تؤرق الأذهان:
هل القدر هو معرفة مسبقة للوقائع والأحداث؟ (لنتخيلها ككتابة مسبقة للتاريخ قبل وقوعه، أو كالطريقة المشهورة في المانجا اليابانية “مذكرة الموت Death Note”)، مجموعة محددة من الأحداث التي كُتِبَت سلفاً (أو ما زالت تكتب) وينبغي أن تحدث كما تمت كتابتها حرفياً؟
إن كان هذا الفهمُ صحيحاً؛ فماذا عن حرية الإرادة؟ هل نحنُ مُجبرون في سلوكنا، اختياراتنا، مشاعرنا، وطريقة تفكيرنا؟ حسناً، دعنا نتفق أننا لم نختر الكثير مما جرى في حياتنا؛ فليس لأيٍّ منا حرية اختيار والديه، ولا مدى ثرائهما، ولا تاريخ ميلاده، ولا جِنسيته، ولا لغته الأم، ولا لون بشرته، ولا جيناته، ولا دينه كذلك. ولكن على الرغم من ذلك، فَجُلُّ خلافاتنا عبر التاريخ تتمحور حول هذه العوامل التي لا يد لنا فيها.
سؤال آخر: إن كنا غير مختارين لكل هذه المتغيرات، فلماذا نقيِّم أنفسنا ونحاسبها عليها؟ وليتنا اكتفينا بذلك! فبعد أن ننتهي من محاسبة أنفسنا اليوم، قررنا تأجيلَ حسمِ الباقي منها في الجولة الأخيرة، جولة ما بعد الموت! حيث يقتص كل منَّا من الآخر حسب فهمه وقناعته، ونرى العديد من رجال الدين يعطون العهود والمواثيق لأتباع طائفتهم أو دينهم بالنعيم والخلود، ويبشرونهم بهلاك خصومهم والمختلفين عنهم بالهلاك والعذاب.
وبينما يطرحُ كل متسائل رؤية مختلفة حول هذا الموضوع، لماذا نغوصُ أساساً في البحث عن مفهومٍ للقدر؟ هل ننتظر تأييد السماء لنا في قراراتنا؟ هل نبحث عن التوكيد أو الطمأنينة؟ أم عن معنىً أسمى لما يحدث في حياتنا؟ لماذا نتجاهل القدر عندما نكون في حال الرخاء، ثم نلقي عليه اللوم عندما تعصف بنا الحياة؟
ولقد غصتُ شخصياً في هذه الفلسفة كثيراً وتحدَّثتُ عنها بإسهابٍ في روايتي “مهرطقون” بجزأيها الأول (رحلة الإيمان) والثاني (صُحُف خالدة)، فنرى ذلك جلياً إذا تتبعنا قصة مالڤوري Malvory بين الضياع والبحث عن المعنى. إذ يحاول الشاب إيجاد معنىً أسمى لما يحدث حوله. فنجده يلجأ إلى التسليم والانصياع عندما تتعقد الأمور وتتوه الحقيقة، ثم يلعنُ الأقدار ويلقي عليها اللوم عندما تخرج الأمور عن سيطرته. كما أن واحدة من أهم الأسئلة التي تطرحها الرواية تتمحور حول هذا الفهم: “هل الحقيقة تورَّث أم تُكتَشَف؟”. هل نحن على الحق وجادَّة الصواب فقط لأننا وُلِدْنا كذلك؟ وماذا عن الباقين؟ لماذا تصرّ كل طائفة على أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وحدها دون غيرها؟
وماذا عن السؤال الشهير: هل نحن مخيّرون أم مسيّرون؟ السؤال الذي أقام الدنيا ولم يقعدها لآلاف السنين. كيف يمكننا الإجابة عليه؟ وهل يجب علينا اختيار أحدهما؟ ألا يمكننا أن نكون الإثنين في آنٍ واحد؟
وهل تختلف نظرتنا للقدر مع مرور الزمن؟ خصوصاً عند وقوع المصائب والوقائع، عندما يبرد غضبنا ويتطور وعيُنا وتختلف نظرتنا نحو الأحداث. ألا تلاحظ أحياناً أنك ترى الأمور بشكل أوضح، بطريقة أقل تشنجاً وأكثر عقلانية بعد مرور فترة على الواقعة؟
وقد تحتاج ذاكرتنا إلى بعض الوقت كي تترجم الألم إلى درسٍ نستفيد منه إلى الأبد
وفي الختام، سأكتفي بطرحِ سؤالٍ أخير ربما يغني عن كل ما ذكرته سابقاً:

هل نحن بحاجةٍ إلى فهم القدر؟ أم يكفينا الإيمان به؟
عبدالوهاب عزوني
١٣ يناير ٢٠٢٦

أضف تعليق