رحلةُ إيماني

قد يبدو لك هذا العنوان غريباً عند الوهلة الأولى. قد تقول في نفسك: ما الذي يقصده برحلة إيماني؟ أهناك خطأٌ إملائي مثلاً؟ دعني أطمأنك عزيزي. أنا أعني ما كتبته تماماً وسأشرحه لك

سبق ونشرتُ في ٢٠٢٢ روايتي الأولى من سلسلة مهرطقون بعنوان: “رحلة الإيمان”، وناقشت فيها تطوُّر شخصياتها الرئيسية من ناحية الوعي النفسي والعقدي، وكيف تؤثرُ فيهم تقلبات الحياة وتغيرُ من قناعاتهم ومعتقداتهم كذلك. قد يبدو هذا الكلام للوهلة الأولى هرطقة، (وربما يكون هو السبب الحقيقي لاختياري مهرطقون كاسمٍ للسلسلة) ولكن يبدو أن هذا هو التطور الطبيعي في كثيرٍ منَّا. مؤخراً، تركتُ عملي في نيوم بعد أن قضيت هناك أكثر من ثلاثِ سنوات، هذه التجربة الفريدة من نوعها غيرتني حتى النخاع، وخرجت منها شخصاً مختلفاً تماماً

أثناء حديثي مع بعض الزملاء قبل وداعي لهم؛ ذكرتُ لهم هذه الخاطرة: – ماذا لو كانت رحلتي إلى نيوم هي رحلةُ إيماني؟ أو الجزء الرئيس منها؟ تفكرتُ في حالي وقناعاتي قبل نيوم وبعدها، فوجدت الكثير من الاختلافات التي قررت الحديث عنها في هذا المقال، سأطرحها على هيئة تساؤلات وإجاباتها قبل رحلتي في نيوم وكيف تغيرت بعدها

لماذا يبتلينا الله؟

سؤالٌ يبدو للوهلة الأولى طفولياً، ولكنني أراه عميقاً جداً. الجواب يعتمدُ على نظرتنا لماهية الابتلاء، واستحقاقنا له من عدمه، وعلى اعتقادنا في ربِّ العالمين كذلك. كنتُ أرى الابتلاء عقاباً، درساً قاسياً يلقننا إياه الرب حتى ننضبط أو ينصلح حالنا، فكنت أتضجر منه وأضيقُ به ذرعاً. ولكنني لم أعد أرى الابتلاء بهذه الصورة الآن، صرتُ أراه كمسألةٍ حسابية صعبة في حصة الرياضيات، تحتاج إلى حلها واستيعابها حتى تتعلم مهارة جديدة، ولكن هذه المسألة الصعبة لديها قدرة غير متناهية على تكرار نفسها والتمدد والاستطالة وتعكير جوك وتنغيص حياتك وإزعاج وجدانك حتى تستطيع التغلب عليها. نعم بهذه البساطة! أعرفُ أن كلامي يبدو ساذجاً أو مسطحاً لدى البعض، ولكن هذا ما أرتاحُ إليهُ حالياً (على الأقل حتى وقت كتابة هذا المقال).

ما هي طريقة تقييمنا في هذه الحياة؟ وعلى أيّ أساس تتم محاسبتنا؟

الكثير من التناقضات التي عشتها في طفولتي لم تكن قابلة للتفسير لوقت طويل. هل يحق لك أن تغلق الطريق بسيارتك حتى تصلي الجمعة؟ هل يمكنك أن تمسك سبحةً طويلة وتذكر الله فيها لساعات وأنت تخوض في أعراض الناس ثم تدعو بدعاء كفّارة المجلس قبل مغادرتك وأنت مقتنع أنه قد غُفر لك؟ كيف يستطيع من أكمل فريضة الحج أن يعتبرَ نفسه خالياً من الذنوب كيوم ولدته أمُّه وهو ظالم للناس آكل لأموال الأيتام؟ هذه التساؤلات وغيرها جعلتني أتفكر في المقياس الحقيقي في تقييمنا كبشر. متى يُعتَبرُ المرءُ صالحاً ومتى يُعتَبرُ غير ذلك؟ أرى الآن بوضوح أن المقياس الحقيقي للصلاح هو مقدار الخير الذي نقدمه لبعضنا البعض، والأثرُ الذي نتركه في حياتهم

لا يمكن أن تقضي عمرك مؤذياً ظالِماً متعدياً على حقوق غيرك ثم تنام قرير العين معتقداً أنك في أمان لأنك تؤدِّي الصلوات الخمس في المسجد!

هل الحقيقة تورَّث أم تُكتَشف؟

هذا هو السؤال الذي تتمحور حوله أحداث سلسة مهرطقون. هل نحن على الحق لمجرد أننا ولدنا عليه؟ هل نمتلك الحقيقة وحدنا بينما الجميعُ في ضلال؟ كيف سيصبح حال العالم عندما يعتقد كلٌّ منَّا أن طائفته وحدها من ستنجو بينما يهلك الباقون؟ ولماذا لا نكون جميعاً على ضلال؟ أو ربما جميعنا على صواب؟ مجرّدُ طرح سؤالٍ من هذا القبيل يراه البعض فتنة عظيمة، ربما لكونه أنه لم يخطر على باله من قبل، أو ربما حاول طرحه، ولكن تم زجرُه ودفنُ فضولِه إلى الأبد. قبل نيوم لم أكن أستطيع الإجابة عن هذا السؤال، ولكني الآن وصلت إلى قناعة اطمأن إليها قلبي. صحيحٌ أنني ولدت على دين الإسلام، ولكن أتيحت لي الفرصة في نيوم -ولله الحمد- بالالتقاء بأشخاص من أكثر من ١٠٠ جنسية، قرأت عن العشرات من أديانهم بما في ذلك أغلب الديانات الكبرى في عالمنا الحاضر كاليهودية والنصرانية والبوذية والزرادشتية والهندوسية. تعمقت في معتقدات أتباعها وحاورتهم، كما حاورت الكثير من الملحدين والمشككين واللادينيين كذلك، حاولت أن أرى ما يرونه بعيونهم ويعتقدونه وتصدِّقُهُ قلوبهم. وبعد سنواتٍ طويلة من البحث والمقارنة وصلت إلى هذه القناعة: من حقي أن أفخر بديني وأعتز به وأحتكم إلى شعائره، ولكن ليس من حقي اتهام الآخرين ببطلان أديانهم ومعتقداتهم والتنبؤ بمصيرهم هل إلى النعيم أم إلى الجحيم! هذه ليست وظيفتي، وليست من صلاحيّاتي. ولا يمكن للمرء احتكار الحقيقة وإظهار الشفقة أو الاستعلاء على من يخالفونه الرأي والمعتقد، فهذا الاستعلاء بحدِّ ذاته هو ظلمٌ عظيمٌ للمستعلي ومرضٌ عضال يصيب قلبه

أكرمني الله بهذا الدين، ولكنني أخترته الآن عن قناعة وليس بالوراثة، وسأحفظه في قلبي وأسير على نهج رسوله خاتم الأنبياء والمرسلين أسوةً به باحترام مخالفيه قبل إكرام متّبعيه

https://www.amazon.sa/-/en/مهرطقون-رحلة-الايمان-الوهاب-عزوني/dp/6038403841

https://www.jarir.com/arabic-books-624692.html?srsltid=AfmBOoqzoVO90LA1WHU-bwhgXVoiWkDRnKoUObabd6Y3vRBCaBtbPNwq

أضف تعليق