
الحُب؛
تلك الكلمة التي حيَّرتنا جميعاً، حيَّرتنا كما حيَّرت آبائنا وأجدادنا من قبل. فعلى الرغم من أن الحب يمثّل جزءاً كبيراً من الأدب، والتراث، ورغم أنه غيَّرَ مجرى التاريخ في كثير من الأحيان، كقصة يوليوس قيصر مع كليوباترا في مصر، وقصة باريس مع هيلين في طروادة، إلا أننا نزداد جهلاً في فهمه وتفسيره ومَنْطَقَتِهِ وشرحه. ما الذي يدفع اثنين للمحبة؟ بعيداً عن الشكل والمظهر والكلام والنظرات والرائحة والحوارات والاهتمامات المتبادلة ورسائل الغرام والوعود وهدايا الفالنتاين، لماذا اختارها هيَ؟ ولماذا اختارته هوَ؟ أهناك قوَّةٌ خفية تحركهما باتجاه بعضهما البعض؟
قوة الحُب؛
ولو كان الأمر كذلك، ما طبيعة هذه القوة؟ أهي قوَّة روحية تجذب كلّاً منهما نحو الآخر؟ وهل يصح استخدام مصطلح: “رفيق الروح”؟ هل مُحرّكاتنا الحقيقية هي أرواحُنا غير المادية والتي تختار رفيقها بمعزلٍ عنّا ثم تُرغِم عليه أجسادناً حتى تتلفظ بالحب، وتتحرك باتجاهه، وربما تموت في سبيله؟
يذهب البعض إلى أبعد من ذلك، على أنها قوَّةٌ غريزيّة هدفها الإبقاء على الجنس البشري! مجرّدُ سيالاتٍ عصبية تستجيب لهورمونات جنسية تطلقها الغدد الصماء، ثم يقوم الدماغ بالاستجابة لها ويعمل على تجميل ذلك برسم لوحة رائعة، بتصويرِ صورٍ مستساغة تتوافق مع ذائقتنا وعاداتنا وتتماشى مع أحلامنا، بحَبْكِ قصّةٍ رومنسيةٍ فيها بطلٌ واحد وبطلة واحدة يتحدَّان العالم وكلّ من فيه سويةً باسم الحُب، ودفاعاً عن المقدّس! كلّ ذلك وأكثر يحدثُ لغرضٍ واحد: لدفعنا دفعاً نحو التكاثر! لا أكثر ولا أقل!
أيعقل أن تكون القوة المحركة وراء الحُب تافهةً لهذه الدرجة؟ ربما تود الردَّ عليّ بقولك: إذا كان هذا صحيحاً فلماذا اختار ذلك الرجل هذه المرأة بالتحديد؟ لماذا هي من بين كل قريناتها؟ ولماذا وافقتهُ هي وتورطت معه من أجل هذا الهدف المحفوف بالمخاطر؟ ربما حاول جذب انتباهها العديدونَ من قبله، ولكن شيئاً ما (غالباً ما يُتَّهم القلْب بهذه الجريمة) قال نعم له، بينما قال لا للبقية!
ما أستطيع قوله يا عزيزي القارئ هو أنني لا أدري، حالي مثلُ حالك، وحالنا كحال الملايين من قبلنا، لا زلنا نجهل الكثير عن هذا الداء الأحمر.
الحب، ابتلاء أم شفاء؟
وكما حيّرنا الحب في فهم ماهيته وفهم دوافعه، أصرّ كذلك إلَّا وأن يحيّرنا في تحديد الجانب الذي ينبغي أن نضعه فيه، فيراه بعضنا الهدف المنشود وسبب السعادة الأوّل. نظم الشعراء وحكى القصّاصون الحَكَايا وكتبوا الملاحم وصوروا الأفلام والمسلسلات عنه وعن تأثيره في حياتهم، وبكى الملايينُ على مشاهد مكتوبة ومسموعة ومصوّرة للقاء الأحبة بعد الفراق والتأمت جروح قلوبهم على انتصار الحب في مسعاه النبيل لجمع المحبوبَين وانتصارهما على كل العقبات وفوزهما في كل المعارك. نهايةٌ يطمحُ إليها كل عاشق وتهفو إليها نفسه، بأن يجتمع شمله هو وهي
بينما يراه الحزب المتشائم (أولئك الذين ذاقوا عذابه) كقاتل متسلسل يختار ضحاياه بعناية فائقة، فيعتقلهم في أقفاص ذهبية، ثم يسلسلهم بأغلالٍ مخملية، ويصور لهم العذاب راحة، والراحة تخلِّياً ويأساً. يشحنهم بالطاقة الكافية التي تدفعهم دفعاً نحو حتفهم الذي يرونه سراباً عذباً ظليلاً من بعيد وهم يسيرون إليه على صفيح ساخن، عُمياناً عن المنطق، وصُماً عن المواعظ. يتفنن الحُب في تعذيبهم، يعدهم ويمنّيهم، ثم يُذيقهم من كأس الملذَّات مرة، ومن كأس المرارة مرّاتٍ ومرّات.
وبين كون الحُب مشكلةً أو حلّاً يا صديقي، ما العمل؟ أنُعرِض عنه خوفاً من عذابه، أم نجيب نداءهُ طمعاً في نعيمه؟
أضف تعليق