مضى شهران منذ آخر مقالٍ كتبته. تعلمت ألَّا أستعجل الأفكار ولا أستدعيها، فهي ستأتي لعقلي بملء إرادتها، وستنسكب أمامك على هيئة حروفٍ متراصَّة لتقرأها في الوقت المناسب.
قررت اليوم أن أكتب مقالاً جديداً. اتخذت هذا القرار وأنا في عيادتي في يوم سبتٍ هادئ لا يعجّ بالمرضى. ربما ترى أن الباعث لكتابة مقالي هذا هو هدوء العيادة، أو الملل، أو التفاخر عليك بجودة كتاباتي، أو حتى وهمي بأن ما أكتبه يستحق أن يُقرَأ ويُعرَض على الملأ. ولكن، تريَّث قليلاً! أليست هذه هي الدوافع الدارجة لأغلب قراراتنا؟
فكر في آخر قرارٍ اتخذته (ولو بدى عشوائياً) وتفكَّر في السبب الذي دعاك لاتخاذه، وشاركني في التعليقات
ما الذي يدفعنا لاتخاذ قراراتنا؟ لم أفكر يوماً أن هذا يمكن أن يكون علماً يدرَّس في الجامعات، حتى تعرَّفتُ عليه أثناء دراسة الماجستير. تعرفت على مصطلحات مثل: Heuristics، وهي أي طريقة تُستخدم لحل مشكلة أو اتخاذ قرار سريع، دون ضمان الوصول إلى الحل الأمثل أو النتيجة العقلانية أو الصحيحة دائمًا. نستخدم هذه الطرق غالباً عشرات أو مئات المرَّات يومياً دون أن ندرك. فمثلاً عندما تختار قهوة الصباح بين قهوة اليوم أو فلات وايت، أو نوع زيت الزيتون الذي ستشتريه من السوبرماركت، أو لون التيشيرت أو الملابس الداخلية. الجدير بالذكر أننا نستخدم هذه الطريقة عندما لا نعطي حجماً كافياً لتبعاتها، وعندما نستطيع تحمل تبعاتها ونتائجها ضمنياً حتى لو كنَّا قد اتخذنا الاختيار الخاطئ.
💡 هل يوجد قرارٌ خاطئ وآخر صائِب؟ ومن يحدد ذلك؟
تأمل معي في حقيقةٍ صادمة! حياتك هي عبارةٌ عن مجموعةٍ من القرارات التي اتخذتها في أوقات متفرقة، وأنت اليوم تعيش نتائج هذه القرارات (بالطبع هنالك الكثير ممَّا فرض عليك فرضاً؛ كوالديك، والمكان الذي ولدت فيه، واللسان الذي تتكلم به، والبيئة التي نشأت فيها، والصدمات التي تعرَّضت لها)، وعلى حسب جودة هذه القرارات تتحددُّ جودة حياتك.


لا تبتأس عزيزي! فأغلبنا اتخذنا العديد من القرارات الخاطئة والساذجة ربما، والتي قد تكون أثَّرت على حياتنا وجعلتها تتجه نحو وجهة لم نكن نسعى إليها، وأبعدتنا عن هدف كنا نصبو إليه. ألا ترى أنه من العبث البكاء على اللبن المسكوب؟ خذ نفساً عميقاً، وأمسك بزمام حياتك من جديد. تذكر أنك تملك القرار (غالباً) لتوجيه حياتك نحو الهدف الذي تبتغيه. راقب أفكارك دائماً، وانتبه لمشاعرك، (استعن بالأخصائي النفسي لو وجدت صعوبة في ذلك) ولاحظ النمط الذي تستخدمه في اتخاذ قراراتك وعلامَ تبنيها غالباً. وشاركني إن رأيت تغييراً للأفضل في جودة حياتك.
لم يكن الهدف من كتابة هذا المقال هو تطوير الذات! وهذا يدعوني لأختم بهذه الجملة: ربما ليست كل القرارات العشوائية خاطئة أو ذات نتائج سلبية، وربما هذا المقال (وليد العشوائية) دليل صارخ على ذلك. فلو غيَّر كلامي هذا حياة شخصٍ واحد نحو الأفضل -ولو قليلاً-، سأعتبر ذلك انتصاراً للعشوائية.
أضف تعليق